ابن الجوزي
250
صفة الصفوة
559 - عتبة الغلام وهو عتبة بن أبان بن صمعة وإنما سمي بالغلام لجدّه واجتهاده لصغر سنه . وكان يفتل الشّريط « 1 » . سوار أبو عبيدة قال : بكى عتبة الغلام في مجلس عبد الواحد بن زيد تسع سنين لا يفتر بكاء من حين يبتدئ عبد الواحد في الموعظة إلى أن يقوم لا يكاد يسكت عتبة . فقيل لعبد الواحد إنّا لا نفهم كلامك من بكاء عتبة . قال : فأصنع ما ذا ؟ يبكي عتبة على نفسه وأنهاه أنا ، لبئس واعظ قوم أنا . سليم الحنيف قال : رمقت عتبة ذات ليلة بساحل البحر فما زاد ليلته تلك حتى أصبح على هذه الكلمات وهو قائم يقول : إن تعذبني فإني لك محب وإن ترحمني فإني لك محب ، فلم يزل يردّدها ويبكي حتى طلع الفجر . أبو توبة قال : كان عتبة الغلام يأكل خبزا وملحا ويقول : العرس في الدار الأخرى . عبد اللّه بن الفرج العابد قال : كان عتبة يعجن دقيقه ويجفّفه في الشمس ثم يأكله ويقول : كسرة وملح حتى نهنأ في الدار الأخرى الشّواء والطعام الطيب . سلمة الفراء قال : كان عتبة الغلام من نسّاك أهل البصرة وكان من أصحاب الفلق « 2 » . وكان قد قوّت لنفسه ستّين فلقة يتعشى كل ليلة بفلقة ويتسحّر بأخرى ، وكان يصوم الدهر ويأتي السواحل والجبابين « 3 » . عن مخلد بن الحسين قال : كان عتبة يجالسنا فقال لنا يوما : إنه لا يعجبني رجل لا يكون في يده حرفة . فقلنا : ما نراك تحترف . فقال : بلى [ رأس ] مالي طسّوج « 4 » أشتري به خوصا أعمله وأبيعه بثلاثة طساسيج فطسّوج رأس مالي وقيراط خبزي . أبو عمر الضرير قال : سمعت رياحا القيسي يقول : قال لي عتبة : يا رياح إن كنت كلّما دعتني نفسي إلى الكلام تكلّمت فبئس الناظر لها أنا . يا رياح إن لي
--> ( 1 ) أي يفتل الخوص . ( 2 ) مفردها فلقة ، وهي القطعة أو نصف الشيء من تمر ونحوه . ( 3 ) مفردها جبانة وهي المقابر . ( 4 ) الطسوج بوزم الفروج ، حبتان ، والدانق أربعة طساسيج وهما معربان .